ظاهرة الانتحار وعلاقته بالنظام التسلطي في القرن الواحد والعشرين

images/stories/Heval/zaxo.jpgتعيش المجتمعات في هذا القرن أزمة اجتماعية فظيعة تعكس هذه الأزمة على حياتنا بأشكال مختلفة، والنقطة المشتركة التي تعكس على كل إنسان هو إن السعادة اللائقة بالإنسان مفقودة، وهذا يؤدي إلى تعرض البشرية لألام عظيمة. إلا إن الأمر الذي لا يمكن أن يتقبله الإنسان هي ظاهرة الانتحار التي باتت تشكل مشكلة اجتماعية خطيرة، بحيث لا تفرق بين الفقير والغني وبين الدول الغربية والشرقية، بل تشمل الأفراد في كل أنحاء العالم الإحصائيات الموجودة في هذا المجال يخلق لدى الإنسان قلقاً رهيباً، فخلال سنة واحدة قام مليون شخص بالانتحار,يعني إن في كل 40 ثانية يقوم إنسان بقتل نفسه. يمكن أن تكون الأسباب مختلفة من قبيل التفاصيل، ولكن لم يتمكن علم الاجتماع أن يقوم لحد الآن بوضع التشخيص الصحيح لهذه الظاهرة المناقضة لطبيعة الإنسان. لأن جميع الكائنات بطبيعتها تملك غريزة حب البقاء كأمر فطري، انتهاء هذه الغريزة لدى إنسان هو ما ليس أمراً طبيعياً، ويحتاج إلى دراسة شاملة. حيث تُطرح أسئلة كثيرة نفسها وتحتاج إلى أجوبة، وهي لماذا يحتاج فرد ما للقيام بأمر كهذا؟. لماذا يزداد أعداد المنتحرين يومياً؟، ما هي درجة ارتباطها بالأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها النظام المتسلط في العالم؟. يمكن أن تكون الإجابة على هذه الأسئلة أمر صعب، ولكن هذا لا يمنع من القيام ببعض التثبيتات بالخطوط العريضة لهذه المشكلة.

بالطبع هذه الظاهرة غير مختصرة بهذا العصر، بل يمكن رؤية آثارها في العصور الماضية أيضاً والذي بدأ مع الحضارة السومرية. لأن الانتحار مرتبط بالوضع الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان، فالعلاقة بين ظاهرة السلطة والعنف، وظاهرة الانتحار كان صنوان لا يفترقان على مر التاريخ. عندما نبحث في التاريخ وندرس تاريخ ظهور الانتحارات نرى مع بدأ الظلم والاضطهاد واللامساواة والتحكم عندها تعرض الإنسان للإزدراب واليأس. ففي المكان الذي يشعر الإنسان بأنه بدأ بفقدان دوره وباتت حياته علة على نفسه وعلى الآخرين، وتجلب الحياة له بالتعاسة بدلاً من التفاؤل حينها تفقد العيش معناها، ويتم البحث في طريق الخلاص وعندما يدرك بأن أبواب الخلاص كلها مسدودة أمامه حينها يحكم على نفسه بالنهاية، ويضع النقطة الأخير لحياته.

نظام الدولة التي بدأت منذ الدولة السومرية ابتدعت بين البشر ظالم ومظلوم، لأن الدولة التي تنقش في روح الإنسان الطاعة والسلطة والتبعية، تجرد الإنسان من الوعي الحر والإرادة والقرار الصائب. فيتحول الإنسان إلى سيد يضطهد نفسه والآخرين، ففي الوقت الذي حكمت الفردية والجشع على الطبيعة والإنسان، عندها تم بيع المعرفة لوجدان سيء، وتم القيام بالحسنة بغرض الفائدة لتخرج روح البشر للبيع، وتتحرر من التحكم لتصبح أسيرة لتحكم آخر. في ظل حقيقة كهذه من العبث البحث عن الفضيلة والاطمئنان والسكونية، لأن الحياة تتحول إلى طوق تشد الأعناق، فيسلب كل شيء عائد للفرد حتى رغبته في العيش بإرادة وحرية.

نعم... منذ ذاك الوقت فقد الإنسان بصيرته، وفي الوقت الراهن في ظل الفوضى والأزمة العارمة والظلام الدامس للحضارة في هذا القرن. والتحدث عن التفاؤل والغبطة في الوقت الذي يتصارع فيه الشرق والغرب كوحوش في بحر غاضب بغرض الاستيلاء على جوهر الحياة، وعلى كل ما هو عائد لحيثياتنا أمر لا فائدة منه. لأنه ينتقص من حريتنا وإنسانيتنا كل يوم، والأسباب التي كانت تؤدي قديماً بالإنسان إلى الانتحار يتم إنتاجها يومياً وبأضعاف مضاعفة من قبل نظام الشركات العملاقة، فتبتلع يومياً المئات من البشر. خلال سنة واحدة قام 200 ألف شخص في الولايات المتحدة الأمريكية، و60 ألف شخص في انكلترا بمحاولة انتحار, يعبر وبشكل واضح عن الواقع الموجود الذي يعيشه البشرية. في حين تعتبر هذه الدول من الدول الأكثر ديمقراطية وتقدماَ، ويدعون بأنهم سينشرون الديمقراطية والسلام في العالم.

في حين يؤكد على أن عدد حالات انتحار الرجال أكثر من النساء في الكثير من مناطق العالم، إلا إن الأمر مختلف في جغرافيتنا حيث نسمع يومياً أنباء انتحار النساء، وذلك لأن المرأة تتعرض وبشكل أكبر للضغط النفسي والجسدي والذهني. يضع المجتمع خيارين أمام النساء إما الاستسلام وإما الانتحار، لأن دهاليز المجتمع الرجولي يضع المرأة في طريق مسدود، والخيارين محكومان بقبول الواقع الموجود ألا وهو التمزق بين جندرة المجتمع الرسمي وهي الدولة وبين المجتمع التقليدي وهي العائلة والعشيرة. ولأن منظمات المجتمع المدني لم تنفذ بعد إلى جميع خلايا المجتمع، ولم تتحول بعد إلى أمل لمن يريد أن يتخلص من إخطبوط الدولة والعائلة. فالأفراد مجردون من أي ضمانات حياتية، فيترك الأفراد لقدرهم.

ظاهرة الانتحار المنتشرة بين صفوف النساء يعبر عن رد فعل النساء على الواقع الموجود، ويعبرن بذلك على مدى وصول المجتمع إلى درجة لا يمكن العيش فيه، لأن كل ما هو عائد للنساء ذنب يعاقب عليه.بالطبع قيام فتاة بإضرام النار بجسدها أو خنق نفسها، إلى حد ما يعبر عن انعدام الحل.الضيق هو صرخة في وجه كل الرجعيات المفروضة من قبل المجتمع المتخلف، في حين لا تدرك النساء المسكينات إن موت كل النساء لا يهز شعرة من وجدان النظام المستبد، بل على العكس تماماً كلما ننهي أنفسنا كلما يشعر النظام التحكمي بالراحة والقوة لأنه يرسخ نفسه بشكل أكثر تجذراً.

أكثر أشكال الانتحارات خطراً هو الانتحار النفسي.

يتم التحاور والنقاش بصدد الانتحار الجسدي لكونه مرئي واضح ولا يمكن لأحد أن يخفيه عن الأعين، ولكن الانتحار الأكثر انتشاراً في العالم وفي مجتمعنا هو الانتحار النفسي. وهي الظاهرة الأكثر خطورة في مجتمعنا، فهو موت صامت ويستمر إلى مدى طويل. فعيش فتاة في الخامسة عشر من عمرها مع رجل في عمر والدها، أو محكومية إمرأة طوال عمرها لشخص مناقض لها، أو تعرض امرأة كل يوم للشتم والضرب والإهانة من قبل رجل، أو اعتداء رجل على فتاة وهي طفلة فتصمت خوفاً وخجلاً أبد الدهر صامتة تعيش نفسية المذنوبة والمغدورة. ومئات الحوادث المشابهة، كلها تجعل الملايين من النساء تعشن انتحاراً نفسياً سواء كن مدركات للأمر أم لا. لأنهن قد أنهين حياتهن بشكل أو بآخر واستغنين عن كل ما تشتهيه أنفسهن، وينضمن للحياة كنباتات بلاستيكية ليس إلا. فتعيش في تناقض مع نفسها ومع كل ما هو في محيطها، فهي تملك لساناً محظور عليها التكلم به، تملك آذان لا تسمع بها، تملك أعين لا ترى به الألوان. كل شيء بالنسبة لها يكون أسود، لأن اللغة التي تحكي بها في مجتمع الرجال تكون ممتلئة بالكذب والرياء. وهي ترى بأنها لا يمكن أن تعبر عن نفسها في ظل هكذا مجتمع، فتغلق آذانها وأعينها في حين تشعر في داخلها بألم وحزن لامثيل له.

عندما يتم الحديث عن هذه الأسباب، لا يعني بأن الحل يكمن في القيام بالانتحار أياً كان أشكاله، لأنه بما أن هناك قوة وجسارة لوضع نقطة النهاية لحياتهن، هذا يعني بأن هناك قوة عظيمة كامنة في تلك الشخصيات، ولكن لم تتحول إلى قوة بحث عن الحياة والحب والحرية وعن البديل الآخر.

في الحقيقة عدم معرفة الذات والطاقة الموجودة لدى المرء، والانحصار في الإطار المرسوم من قبل المحيط للفرد ( كلا الجنسان )، فهذا يؤدي إلى كبت داخلي فظيع وإلى حالة من العمى الذاتي، بحيث تتحول الحياة إلى بئر بدون قعر. في حين الوضع مختلف تماماً، فهناك قوة كامنة في الإنسان وخاصة في المرأة قابل في خلق الجماليات إذا ما تم الاصرار في البحث وبذل الجهد في هذا المجال، وعدم الاستسلام للواقع، فهو السبيل الوحيد إلى ذلك. هناك أمثلة عظيمة في المجتمع، حيث نرى بأن الكثيرات من النساء والرجال بالرغم من الظروف السلبية التي عانوا منها حققوا تطورات عظيمة في حياتهم.

وما هنالك هو مواجهة الحياة والكفاح من أجل خلق وابتكار الأفضل، وألا ييأس الإنسان أياً كانت الظروف، ويعمل من أجل اجتياز ما يعيش فيه من مآسي. كل ما هنالك هو أن تكشف المرأة عن ذاتها، وتدرك بأن الحياة ليست محصورة في إطار ضيق، وبأن هناك ما يمكن أن نقوم بتحريره إذ ما اقتربنا بتفاؤل. ولا يوجد أصعب من التفكير في الانتحار أو العبودية. الشخص الذي يفكر بأمر كهذا أو يقوم بأمر كهذا، إذ ما نظر إلى الحياة برؤية وفلسفة جديدة سيرى بأنه ارتكب خطأ كبيراً بحق ذاته.

الحقيقة كامنة في بحث المرأة للتعرف على ذاتها وإدراك قوتها الذاتية.

أجل... الحياة صعبة، وفيها الكثير من الأمور التي لا يمكن أن يقبلها المرء، ولكن ذرائع العيش والكفاح يجب ألا تنتهي أبداً. الحقيقة هي هناك الكثير من القيم والفضائل والجماليات المنظرة لأن نحييها في ذاتنا ومحيطنا، وما هنالك هو ألا نقتل الأمل والطموح في ذاتنا، وألا نستسلم لفلسفة الموت والعبودية.

من إحدى الأسباب التي تحض بالمرء ليفكر بالانتحار بشتى أشكاله هو الإحساس بالعزلة والوحدة، وعدم الانخراط والحوار مع المحيط ومن بجواره ويكتم كل شيء في داخله، مما يخلق معه ضغطا نفسياً في داخله. في حين قيام الإنسان بعكس ردود فعله إلى المحيط بالشكل المناسب سيكون طريقاً للتعرف على إن المشكلة ليست مشكلته فقط وإنما مشكلة اجتماعية، يعني أنه يجب أن يحاول بكل ما لديه من قوة للبحث في سبل التخلص من حالة اليأس التي تطوقه. وأن ينقب المسائل بشكل أكثر موضوعية، لأن شخصياتنا تكون متقوقعة ومنكمشة، وهذا يؤدي إلى أن نضع نفسنا ضمن أزمة.فنعيش فوضى فظيعة في عواطفنا، التي تصبح متحكمة في كل قراراتنا بما في ذلك حياتنا. في حين إن التحرك بالعواطف فقط لا يكفي من أجل مواجهة الحياة، اتحاد العقل والعاطفة يحمل أهمية كبيرة، وهذا ما نفتقر إليه بشكل عام حيث تحكمنا عواطفنا بشكل أكثر

هنا تفرض حقيقة أخرى ذاتها وهي دور إكساب الوعي العلمي، وتشكيل أو فتح طرق جديدة في المجتمع أمام الأفراد وخاصة النساء. ودور منظمات المجتمع المدني يحمل أهمية كبيرة في هذا المجال، فهي تعني خلق أرضية وحياة بديلة ورؤية جديدة للحياة، وخلق عنوان للنساء بغرض الالتجاء إليه في حال تعرضن لضغط ما، وتحويل هذا العنوان إلى أمل تلجأ إليه النساء عند الحاجة. وجود هذا القدر من النساء اللواتي ترجحن الانتحار يعبر عن ضعف، وعن عدم التحول إلى بديل لكلا المجتمعين الرسمي والتقليدي، وافتقار المجتمع المدني إلى التوجيه الذي يشمل متطلبات الأفراد، لذا يقع على عاتق المنظمات النسائية بشكل خاص دوراً كبيراً في خلق الوعي لدى النساء.

تعرف امرأة ما على ماضيها وحاضرها ومستقبلها يخلق لديها قوة دفع كبيرة، ويكسبها قوة ذاتية تجعلها تثق بنفسها. المرأة المدركة لحقيقتها وحقيقة الرجل والنظام الاجتماعي ومدى تأثيرها، تكتسب القوة التي تُمكنها من مواجهة كل المصاعب. وتعتبر تحقيق ثورة ذهنية روحية متحررة من آثار الدولة والهرمية في النساء ضمانة لتخلص النساء من نفسية كل أنواع الانتحار.

في الواقع قيام الطليعة النسائية بالنفوذ إلى أصغر خلية من خلايا المجتمع يحمل أهمية عظيمة، لأن المرأة والفرد الذي يشعر بأنه يملك مبادرة إعطاء القرار بحق نفسه، وينضم بشكل إرادي لمحيطه، ويأخذ بمأخذ الجدية ويتحلى بقيمة من قبل الآخرين، وله دور في رفاه الآخرين يمنحه الرضى عن نفسه وسيمنحه حب الحياة والارتباط به أيضاً. لذلك بمقدور المنظمات النسائية اجتياز المركزية، النخبوية، الديمقراطية الرجولية، السطحية في التعامل مع الفرد، وتحقيق الانضمام المباشر للنساء، والاهتمام بأدق التفاصيل التي تعني بحياتهن، يحمل أهمية حياتية لإعادة الحياة لمنبعها.

ومن هنا يمكن القول إن عقد العلاقة مع آمال كل امرأة، ومنحها البديل سيقضي على كل أسباب الانتحارات التي نعيشها. كلما تمكنت المرأة من فتح ثغرة في النظام المستبد تكون قد أسقطت ستاراً عن النور التي تحجبها. التمكن من الكشف عن جوهر النساء المخفي سيؤدي إلى انبعاث قوة الخلق لديهن، وهذه القوة موجودة عند كل النساء. المطلوب هو البحث وكشف هذه القوة في ذاتنا.

زاخو زاغروس

مشاركة

AddThis Social Bookmark Button

images/stories/malper.png

تواصلوا معنا عبر

images/stories/link.jpg